English
الرئيسية
عن لم لا؟
اسئلة متكررة
إتصل بنا
قواعد النشر
خارطة الموقع
منوعات

ربّي المخ قبل اللحية



حلول طريفة للقضية الفلسطينية



في حياتي المقبلة



طرح عطاء لإنشاء دولة فلسطين



السيرة العجيبة للتواصل الاجتماعي؟



كنيسة جوجل!



استغفلونا ونحن صغار


هللويا فلسطين: البابا محمود عباس



فكّر خارج الصندوق ... روعة التفكير



المجدرة والمناقيش والمغربية ... أكلات فلسطينية



عشيقة رقمية



تسليات علمية



الشاعر أحمد مطر في هجاء الشيخ يوسف القرضاوي



الأركيلة: القاتل المحبوب حتى آخر نفس



ثورة "سلو" دعوة تمهّل لعالم ذاهب نحو الهاوية


رسومات

تنويعات على العلم الفلسطيني



الرئيسية > علوم طبيعية >

أعظم حوار علمي في التاريخ

 

 

مختارات من مراسلة علمية بين البيروني وإبن سينا

 

د. إبراهيم فريد الدر

 هل هناك عالم غير عالمنا؟ كيف تدور الأجرام الفلكية، وهل تزول؟ والضوء! ما هو وكيف ينتقل؟ كيف يسخن وجه الأرض؟ لماذا يعوم الجليد، وتتفجّر الأنابيب إذا جمد الماء فيها!
 
مدار المراسلة وزمنها
هذا قليل من أسئلة وجيهة قدّمها أبو الريحان البيروني إلى أبي علي ابن سينا، قبل ألف سنة تقريباً، يوم كانت المناظرات حول الموضوعات الإنسانية الشاملة تنير العرب وتعزّز حضارتهم، وما أحوجنا إلى مثلها اليوم!
من المرجّح أن تكون المراسلة بين ابن سينا والبيروني قد برأت عام (1012م) بينما كان البيروني في الجرجانية (في الاتحاد السوفياتي سابقاً)، وابن سينا في جرجان (إيران). ولربما انتهت بأسر البيروني (1017م) وإقامته في غزنة قرب كابول (أفغانستان) بينما كان أبو علي وزيراً في همذان).
قدّم البيروني عشر مسائل حول كتاب أرسطو "السماء والعالم"، وثماني مسائل صاغها، وهي من أكثر المعضلات العلمية تعقيداً. يقول ابن سينا (... هذه رسالة إلى أبي الريحان البيروني في أجوبة مسائل أنفذها أبو الريحان من خوارزم)، ثم يضيف (... سألتَ الإبانة عن مسائل منها ما تراه جديراً أن يؤخذ على أرسطو طاليس، ومنها ما التقطته مما أشكل عليك، فأجبتك إلى ذلك...).
 
أسباب المراسلة
لا أظن البيروني أراد تفسيراً من ابن سينا، فهو يعرف أجوبة أبي علي مسبقاً، لأن ابن سينا ملتزم بتفسير أرسطو للظواهر الطبيعية. ثم إن رأي البيروني في علم ابن سينا معروف (... أبو علي على ذكائه وفطنته غير موثوق به... وليس بمعتمد عليه...).
أراد البيروني تدمير ابن سينا لأنه كان مرجعاً علماً يثبّط عزيمة صغار العلماء عن السؤال والبحث والتمحيص. وأراد حرق الهالة التي أحاطت بابن سينا، وكسر القيد الأرسطيّ، ليشجع الناشئة على طلب البرهان بالتجربة المخبرية، والعقل المفتوح.
يقول البيهقي (... وقد بعث أبو الريحان مسائل إلى ابن سينا، فأجاب عنها أبو علي، واعترض أبو الريحان، وهجّنه، وهجّن كلامه، وأذاقه مرارة التهجين...). وقال أخر، ذاق مرارة التعنّت من ابن سينا (... من غَرْبَل النّاس نَخَّلُوه...).
يبدو أن أسئلة البيروني أربكت ابن سينا، إذ تأخّر في الإجابة، لكن يلوم تلميذه المفضّل المعصومي، فيعتذر أبو علي إلى أبي الريحان (... ولم يتأخّر إصدارها إلى هذه المدّة، إلاّ لما عسى أن يقرره الفقيه المعصومي...)، ويرجوه أن يطلب مزيداً من الشرح إذا أراد ولن (... يتأخّر تأخّر هذه المسائل، فإني لا أأتمن عليها الفقيه المعصومي، إذا حدّثيني بالفراغ عن نسخها كما فعل هذه المرّة!) التلميذ يكذب على أستاذه، والأستاذ يعتذر للبيروني.
لم يخيّب البيروني ظنّ ابن سينا، فكتب إليه ثانية، لكن الشيخ الرئيس لم يردّ؛ ونقرأ ردّاً للمعصومي الذي (أضاع الأجوبة) كما يقول هذا التلميذ: (... لما تحققت، أطال الله بقاء سيدي، افتقاد ما أصدر به... وعلمت تأسّفه على الأجوبة، قصدت أن أنقل من التسويد الذي بقي عندي مما يتهيّأ لي نقله...).
أسوق إلى القارئ بعض الأسئلة لأنها حقاً علم رفيع، ومثل يًُقتدى به اليوم. ولم ألتزم بأرقام المسائل إيجازاً للسرد.
 
السؤال الأوّل
طرح البيروني أوّلاً أسئلة منها فتح باب التمحيص في مزاعم أرسطو، ومن أول سؤال يستشيط الرئيس غضباً لأن البيروني سأل:
"لماذا جعل أرسطو أقاويل الأوّلين في الفلك حجة قوية، أما من لم يتعصب ولم يصرّ على الباطل تحقق أن ذلك غير معلوم" ثم يذكر البيروني زعْمَ أرسطو أن أجرام الفلك لا تتغير؟ وما الدليل على أن الأجرام لا تزول!
يحتدّ الشيخ الرئيس من أوّل المراسلة: ولمّا لم يجد جواباً، لجأ إلى ذمّ الأموات من العلماء، فقال:
"كأنك أخذت هذا الاعتراض عن يحيى المموّه... أة عن الرّازي المتكلّف الفضول... والذي تجاوز قدره في بسط الجراح والنظر في الأبوال والبرازات...".
يحيى النحوي عالم قدير عارض أقوال أرسطو بشدّة. عاش في مصر، وشاخ فأدرك عمرو بن العاص الذي أعجب بعلمه. أما الرّازي المتوفي (923م) قبل ولادة ابن سينا معدّداً مآثر يحيى، وأضاف (... حاشى ليحيى أن يُنسَب إلى التمويه، وأحق بهذا الاسم أرسطو المموّه...).
 
السؤال الثاني
أما دفاع البيروني عن الرّازي فكان لإحراج ابن سينا، ودفعه إلى الاستشهاد بآراء الرّازي، ولا سيّما أن الرّازي دافع كثيراً عن أقوال أرسطو، فسأله:
"لماذا استشنع أرسطو قول القائلين بالجزء الذي لا يتجزّأ، والقائلين بأن الجسم يتجزأ إلى ما لا نهاية له أشنع".
نذكّر القارئ بأن الجزء الذي لا يتجزأ هو الذرّة بلغة اليوم. من الطريف أن مدرسة الغزالي نادت بالذرّة، وأنكرتها مدرسة أرسطو من المشّائين.
أجاب ابن سينا أن (أرسطو أنكر تقسيم العناصر إلى هذا الجزء عملياً ولم ينكره نظرياً) كان هذا الجواب من أقوال الرّازي، لذلك وثب البيروني قائلاً:
"هذا جواب الرّازي، فمن صار مأخوذاً برأيه وهو مكلّف فضولي...".
يبدو أن البيروني مال إلى الأخذ بمبدأ الذرّة لكنه لم يحسم المعضلة لافتقاد الأدلّة المخبرية.
 
السؤال الثالث
أنكرت مدرسة أرسطو وجود عالم صالح للحياة غير عالمنا، بيد أن مدارس أخرى بما فيها مدرسة الغزالي نادت باحتمال ذلك، فسأل البيروني:
"لمَ استشنع أرسطو قول من قال بعالَم آخر كائن على طبيعة أخرى...".
 
عقيدة الفراغ أو الخلاء
قال أرسطو أن الكون كله محشوّ بالمادة من هواء وغيره، فلا يوجد خلاء أو فراغ ولو بمقدار ثقب إبرة. لا يمكن ولا يجوز أن تقوم ظاهرة طبيعية تقود إلى الفراغ (لأن الطبيعة تكره الفراغ). اضطرّ العلماء تفسير كل ظاهرة بما يتفق وهذا المبدأ، وهيمنت عقيدة الخلاء حتى القرن السابع عشر. جمع البيروني أسئلة مختلفد ظاهراً، إنما هدفها نسف عقيدة الفراغ، أو التشكيك فيها، إذ كان من الصعب عليه إقامة الدليل المخبري في عصر لم يكن مستعداً لتغيرات علمية جذرية.
 
السؤال الرابع
بدأ البيروني اعتراضه بالسؤال عن صحة الاعتقاد السائد بأن الأفلاك تدور في مجال دائري، فأثار احتمال دورانها في مجال بيضي، وهذا لا يناقض عقيدة الخلاء. لأوّل مرّة في التاريخ يقوم عالم يُنادي باحتمال وجود مجالات بيضية وغير دائرية، كما نستدل من سؤال البيروني:
"ذكر أرسطو في المقالة الثانية أن الشكلين البيضي والعدسي محتاجات في الحركة المستديرة إلى فراغ موضع خال، وأن الكرة لا تحتاج ذلك... وليس الأمر كذلك".
أعجب ابن سينا بهذا الرأي فأجاب" نعْمَ ما اعترضت، مدّ الله في عمرك، على أرسطو طاليس في هذا القول... لكن كل واحد من المفسّرين اعتذر عن هذا القول...".
إذاًَ لم يقبل بهذا الاحتمال أحد. لكن البيروني تابع بحث هذه المسألة في كتبه ومحاضراته مع التلاميذ، ولم يستطع الحسم قائلاً أن تقدم العلم سيكفل حلّ هذه المسألة... وبقيت حتى القرن السابع عشر، لحين أثبت كبلر المجال البيضي للأجرام فكانت مأثرة عظيمة.
 
السؤال الخامس
ثم تابع البيروني انتقاده لمبدأ الفراغ فانتقى أسئلة مما يشاهده الإنسان كل يوم، فسأل:
"إذا تقرّر عندنا أن لا خلاء لا داخل العالم ولا خارجه فلمَ صارت الزجاجة إذا مُصت وقُلبت على الماء دخلها الماء متصاعداً..." فيجيبه ابن سينا قائلاً:
"ليس دخول الماء لأجل الخلاء... المص يحرك الهواء الذي يمتنع عن الخروج لامتناع الخلاء، والحركة تُحدث سخونة في الهواء، والسخونة تحدث انفشاشاً (تمدّداً)، وإذا انفش الهواء طلب مكاناً أوسع، فمن الضرورة أن بعضه يخرج، وما يتّسع له الزجاجة يبقى، فإذا أصابته برودة الماء تكاثف وانقبض.. فيدخل الماء... ألا ترى أنك لو لم تمص بل أتيت بالفعل المضاد للمص وهو النفخ... ونفخت في القارورة نفخاً متتابعاً حتى أسخن الماء لدخل الماء مثلما دخل حين المص، وذلك مجرّب. وكذلك لو اسخنت القارورة...!".
ثم يعود البيروني إلى الردّ بسؤال وتعليق:
"ما احتججتَ إلاّ لأصحاب الخلاء! لأن الهواء إذا حدث فيه انفشاش.. كما ذكرت، وخرج من القارورة، فإلى أين يصير أن كان لا خلاء في العالم؟... أما قولك ذلك مجرّب، فإني جرّبته ففعل ضد الفعل، وهو أن الهواء خرج من القارورة بدليل تبقبقه ولم يدخله شيء من الماء البتّة، وانكسر مني قوارير يسع في ماء جيحون" ما قاله البيروني صحيح لأنه الواقع. أما نهر جيحون فهو اليوم نهر أموداريا الذي تقع عليه مدينة الجرجانية حيث كان يقيم البيروني...
 
السؤال السادس
ثم يتوجه البيروني إلى ظاهرة تبدو بسيطة وهي غير ذلك ما يظهر من سؤاله:
"إذا كانت الأجسام تنبسط (تتمدّد) بالحرارة، وتنقبض بالبرودة، فلماذا تنصدع الأنية وتنكسر إذا جمد ما فيها من ماء...؟".
لم يجد ابن سينا غرابة في الأمر فأجاب:
"... إذا انقبض الجسم عند التبرّد، كاد أن يقع الخلاء، فشقّ وانصدع لاستحالة الخلاء!".
من الطريق أن ابن سينا لما يُبال بما في جوابه من غرابة، إذ جعل الإناء يفضل الانتحار والكسر على أن يكسر قانون أرسطو! لكن البيروني يشرح لابن سينا نتيجة مراقبة دقيقة وجلية، وهي أن الشظايا تتطاير إلى الخارج، أما لو حدث خلاء لدخل الزجاج المتطاير إلى الداخل! لذلك كتب إليه:
"لو كان الانصداع إلى داخل الآنية لا وشك أن يكون ما ذكرت عن الخلاء... لكن الأمر على خلافه، فإن الآنية تنصدع إلى خارجها، كالذي يُكلَّف حمل ما لا يطيف ولا يسع".
 
السؤال السابع
إذا لم يستطع البيروني إثبات تمدّد الماء عندما يتجمّد، فإنه لجأ إلى ظاهرة ثانية، فسأل: "لماذا يطفو الجليد على الماء؟"
أجابه أبو علي: "ذلك لأن الماء عند تجمّده، لذلك سأل السؤال. لكن هذا يعني أن الماء يتمدّد، بينما المعروف أن الأجسام تتقلص حين تبرد. بقيت هذه الصفة الشاذة للماء مجهولة حتى عرف العلماء أن الماء مادة غريبة في كل صفاتها، وما زالت تدرس حتى اليوم.
الماء حين يبرد يتقلص كغيره من المواد، لكن بعد هبوط الحرارة إلى درجة 4 مئوية (سلسبوس) نرى حدثاً نادراً، إذ يبدأ الماء بالتمدّد، ويستمى في ذلك حتى تجمده على درجة 4. أما بعدها فتنخفض الكثافة ويكون الثلج أخفّ من الماء فيعوم.
 
السؤال الثامن
كما لجأ البيروني إلى إثارة تجمّد الماء ليثبت وجود الخلاء فإنه أثار أيضاً مسألة تبخّر الماء. قانون أرسطو ألغى ظاهرة التبخّر لأن هذا يعني زيادة في الحجم أو تمدّداً لا يسعه الكون الخالي من الخلاء! لذلك سأل البيروني:
".... استحالة الأشياء بعضها إلى بعض، أهو على سبيل التجاوز والتداخل أم على سبيل التغيّر؟ ولنمثّل بالهواء وبالماء. فإن الماء إذا استحال إلى الهوائية، أيصير هواء بالحقيقة، أم تتفرّق فيه أجزاؤه حتى تغيب عن حسّ البصر: فلا تُرى الأجزاء المتبدّدة!
لا يقتنعُ ابن سينا، فيقول: "لا يكون سبب التغيّر تفرّق الأجزاء.. فالخلاء محال وجوده، فمن الضرورة تحول أجزاء الماء إلى هواء". ثم يؤيد تفسيره باختبار قائلاً: "... وقد عانيت قمقمد صغيرة شددنا رأسها ووضعناها في أتون، فما لبثنا حتى انشقّت، وخرج ما كان فيها ناراً... فمن المعلوم أن استحالتها كانت على سبيل التغيّر في ذاتها إلى الهوائية والنارية، لا على سبيل تفرّق الأجزاء... وهذا يؤيد قول أرسطو في الكون...".
من الطريف أن ابن سينا قبل بتحوّل الماء إلى هواء ونار وهو الذي رفض تحوّل المعادن إلى ذهب كما ظن كيماويّو عصره. حاول البيروني أن يُقنعه بأن قوله غير معقول، وأن اختباره موهوم، وشرح له تجاربه التي تثبت أن الماء الذي يتبخّر يعود ويتكاثف إذا برد، فقال (.. كان الماء يصير هواء بالحقيقة لما عاد عند التكاثف" فالهواء والنار لا يتكاثفان أبداً. لكن ابن سينا لم يغير رأيه.
 
السؤال التاسع
عندئذ انتقل البيروني إلى الضوء والحرارة ليزلزل قانون أرسطو. حار البيروني في طبيعة الضوء فسأل:
"... والشعاعات: أهي أجسام أم أعراض أم غير ذلك" والأعراض هي صفات أو قوة غير مادية.
يجيبه ابن سينا قائلاً:
"... يجب أن تعلم أن الشعاعات ليست بأجسام، لأنها لو كانت أجساماً لكان جسمان في مكان واحد، هما الهواء والشعاع... وإنما الضوء هو لون ذاتي للمُشفّ... وقد حدّه أرسطو بأنه كمال المُشفّ".
لا ريب في أن الضوء معجزة فلا عجب إذا تساءل البيروني (... القائل بأن الشعاع جسمو إما أن يُثبت الخلاء، وإما أن يقول أن الشعاع موجود في الكرة أبداً مع وجود الهواء فيها) وفي كلا الحالين يسقط قانون أرسطو. ثم أضاف البيروني (... إني أقول بخلاف القائل بأن الضوء هو لون الأشياء الشفّافة، ذلك أن الضوء يُرى على ما ليس بمُشفّ، ولا يرى على المشفّ!
 
جلاء طبيعة الضوء
في القرن السابع عشر أثبت نيوتن أن شعاعاً يمرّ في المشطور يفرز الضوء إلى ألوان معروفة في قوس قزح، وقال أن الضوء "حبيبيات مادية" أي أنه "جسم"، مما فسّر صفات كثيرة للضوء مثل سيره في خط مستقيم وارتداده عن الأشياء الصلبة. ونادى عالم آخر أن الضوء موجات، لكن شهرة نيوتن جعلت نظريته تهيمن حتى جاء القرن التاسع عشر فتبدّلت نظرة العلماء، ورأوا أن الضوء ظاهرة كهرطيسيّة، له صفات الكهرباء فهو طاقة أو موجة، وله صفات المغنطيس فهو جسم. إذن جمعت هذه النظرية الأقوال المختلفة واعتبرت الضوء مكوّناً من حبيبات كثيرة تشعّ منها ذبذبات كهرطيسية في كل الجهات، وما زال الضوء يدرس بعد تطوير نظرية "كوانتوم" في القرن العشرين!
 
نسف عقيدة الخلاء
لم تحسم معضلة الخلاء إلاّ في القرن التاسع عشر أيضاً، حين اخترع أوتو فون جيرك مضخّات مالية وهوائية. ثم أخذ كرة نحاسية فيها ماء، وما أن سحب الماء منها حتى حرث انفجار ذعر منه الناس. ولقد عزا جيرك الانفجار إلى ضغط الهواء الخارجي الذي طبق الكرة النحاسية بعد أن أصبح داخلها خالياً من أي شيء. ثم استعمل جيرك المضخة الهوائية لتفريغ الآنية من الهواء، وقام باختيار تاريخي يسمى "تجربة ماجد يبورج" حيث اجتمع أعيان الزمان والامبراطور فرديناند الثالث.
صنع جيرك نصفين متطابقين لكرة نحاسية غليظة ومتينة جداً، قطرها نصف متر. ثم أطبق النصفين وفرّغ الهواء من الكرة. بعد ذلك أحضر القوم 16 حصاناً قوياً، وربطت الكرة من الجهتين المتقابلتين إلى مجموعة من ثمانية جياد من كل جهة، فما استطاع ستة عشر حصاناً تفريق النصفين، مما أثبت وجود الخلاء والضغط، وهكذا تبعثرت نظرية سيطرت ألفي عام.
 
السؤال العاشر
توسّع البيروني في أسئلته، وكأنه يريد قبل وفاته ترك خزانة من المعضلات الجديرة بالبحث فتحدث عن أسباب تغيّر المناخات، وكيف تسخن الأرض. التزم ابن سينا يقول أرسطو أن الشمس باردة، فهي مصدر الشعاع فقط، وإن ارتداد الشعاع عن الأرض بسبب السخونة، مثلما يرتد الضوء عن عدسة زجاجية تحرق الورق. لذلك يسأل البيروني:
إن كانت الشعاعات تنعكس عما وقعت عليه فتسخن لذلك، فما البرهان عليه؟ ةما الشبه بينه وبين انعكاس الشعاع، بينما الأرض نفسها تسخن!
 
السؤال الحادي عشر
ويضيف البيروني حجة قوية وراءَها ظواهر لم تُعرف إلاّ في العصر الجديد، فيسأل:
"إذا كانت زجاجة صافية بيضاء مدوّرة، ومُلئت من ماء صاف قامت مقام البلّور المدوّر في الإحراق، وإذا كانت خالية لم تُحرق ولم تجمع الشعاع، فلمَ؟".
هنا يزداد تخبّط ابن سينا، لكنه يجيب قائلاً:
"إن الماء جسم كثيف صقيل، فلذلك ينعكس عن الزجاجة المملوءَة ماء، ويحصل على الانعكاس المتراكم القوي إحراق.. أما الهواء فليس مما يُنْعَكَس عنه...".
 
السؤال الثاني عشر
لم يصعب على البيروني تذكير ابن سينا بخطأ فادح فسأله:
"إذا كان شعاع البصر يرتد عن سطح الماء الصقيل، فلماذا ندرك ما يكون تحت الماء؟ ثم كان الواجب عليك إذا قلت على الانعكاس عن الأجسام أن تصوَّر، وإلاّ لم يُعَدّ جوابك شيئاً...".
 
انتهاء المراسلة
يتملّص ابن سينا فيجيب إجابة طويلة عن حاسة البصر، ويردّ عليه البيروني "لم يكن سؤالي عن تحديد البصر..." بل كيف ينفذ البصر في الماء إذ كان الضوء منعكساً عنه! بديهي أن الضوء يخترق الماء وتتغيّر وجهته كما تتغيّر زاوية مسيرة الضوء كلما انتقل الضوء بين جسمين مختلفين كثافة.
كان على ابن سينا أن يقبل بوجود أسئلة كثيرة حول المعضلات المطروحة، لكنه فوّض في النهاية المعصومي بالردّ فكتب إلى البيروني:

"... نعم، سألت الحكيم عن تحديد البصر... أتظنّ أنه خفي على الحكيم ما تقول! لو اخترت لمقاصدك ألفاظاً أحسن كان ألبق بك...".
وهكذا انتهى ما قد يبقى حتى اليوم أعظم حوار علمي ظهر في التاريخ!
 
 

 

لا يوجد تعليقات

اضف تعليقك

الاسم/الكنية*:
البلد:
البريد الالكتروني *:
التعليق على *:
العنوان :
التعليق *:

developed by InterTech